الجنيد البغدادي
130
رسائل الجنيد
صفاتها ، ( لمراد مليكه فيها بسقوط صفاتها ) « 1 » منها ، فعند وصول العبد إلى هذا خرج عن صفة وجود ما يوصف بالعقل ، فصارت « 2 » عوارض العقل عند وجود حقيقة التوحيد ، وساوس تحتاج إلى أن يردها ، لأن العقل كان قيم العبد عند قيام العبد بالعبودية ، من حيث العبد ، فعند وقوع حقائق الملكة من اللّه عز وجل له ، ذهب العبد في العبودية من غير المعدن الأول ، فكان موجودا في الصفة معدوما من المشرب ، فصار عند ذلك موجودا مفقودا . باب آخر في التوحيد اعلم أن أول عبادة اللّه عز وجل معرفته ، وأصل معرفة اللّه توحيده ، ونظام توحيده نفى الصفات عنه بالكيف والحيث والأين ، فبه استدل عليه « 3 » وكان سبب استدلاله به عليه توفيقه ، فبتوفيقه وقع التوحيد له ، ومن توحيده وقع التصديق به ، ومن التصديق به وقع التحقيق عليه ، ومن التحقيق جرت المعرفة به ، ومن المعرفة به وقعت الاستجابة له ، ومن الاستجابة له وقع الترقي به ، ومن الترقي إليه وقع الاتصال به ، ومن الاتصال به وقع البيان له ، ومن البيان له وقع عليه الحيرة ، ومن الحيرة ذهب عن البيان ، ومن ذهابه عن البيان له انقطع عن الوصف له ، وبذهابه عن الوصف وقع في حقيقة الوجود له ، ومن حقيقة الوجود وقع في حقيقية الشهود بذهابه عن وجوده « 4 » ، وبصفائه غيب عن صفاته ، ومن غيبته حضور بكليته ومن حضور بكليته فقد بكليته ، فكان موجودا مفقودا ومفقودا موجودا ، فكان حيث لم يكن ، ولم يكن حيث كان . ثم كان بعد ما لم يكن حيث كان ، فهو هو بعد ما لم يكن هو ، فهو موجودا موجود بعد ما كان موجودا
--> ( 1 ) ما بين القوسين ورد في ( ط ) . ( 2 ) وردت في ( ط ) ، وفي ( خ ) : فصار . ( 3 ) يشير الإمام الجنيد إلى المعرفة الذوقية المباشرة أو ( عرفت ربي عن طريق ربي ولولا ربي ما عرفت ربي ) وهي تختلف عن المعرفة العقلية عند الفلاسفة أو الطريق الجدلي عند علماء الكلام . انظر : التصوف الثورة الروحية في الإسلام ، للمرحوم الدكتور أبو العلا عفيفي ، ص : 156 ، وما بعدها ، وانظر : دراستنا : التصوف عند ابن خلدون دراسة نقدية ، دار العلم بالفيوم ، 2001 ، ص : 19 ، وما بعدها . ( 4 ) يبدو من نصوص الجنيد أنه من أصحاب وحدة الشهود ، ورغم اختلاف البعض حوله ، هل هو من أصحاب الصحو أم المحو ، يبدو أنه قد تنازعه هذا وذاك ، وإن غلب عليه الصحو لا المحو ، والحضور لا الغيبة . انظر : التصوف الثورة الروحية في الإسلام للمرحوم الدكتور أبو العلا عفيفي ، ص : 176 ، وما بعدها .